صديق الحسيني القنوجي البخاري

29

فتح البيان في مقاصد القرآن

الضمير الراجع إليهما مفردا كما في قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [ البقرة : 45 ] وقوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 34 ] وقد يذكرونه مثنى كما في قوله : إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما [ النساء : 135 ] وقد قدمنا في هذا كلاما أطول من المذكور هنا . فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مما ترك المورث فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ الأخ المفرد والأخت المنفردة بواحد وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعدا ذكرين أو أنثيين أو ذكرا وأنثى ، وقد استدل بذلك على أن الذكر كالأنثى من الإخوة لأم لأن اللّه شرك بينهم في الثلث ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى كما ذكره في البنين والإخوة لأبوين أو لأب ، قال القرطبي : وهذا أجمل . ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب ، ذلك في المسألة المسماة بالحمارية ، وهي إذا تركت الميتة زوجا وأما وأخوين لأم وإخوة لأبوين ، فإن للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين لأم الثلث ولا شيء للإخوة لأبوين . ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم وهو كون الميت كلالة ويؤيد هذا حديث : « ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأول رجل ذكر » « 1 » وهو في الصحيحين وغيرهما ، وقد قرر الشوكاني دلالة الآية والحديث على ذلك في الرسالة التي سماها المباحث الدرية في المسائل الحمارية ، وفي هذه المسألة خلاف بين الصحابة فمن بعدهم معروف . فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم لإدلائهم بمحض الأنوثة مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ الكلام فيه كما تقدم ، وظاهر الآية يدل على جواز الوصية بكل المال وببعضه ، ولكن ورد في السنة ما يدل على تقييد هذا المطلق وتخصيصه وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص قال : « الثلث والثلث كثير » « 2 » أخرجه البخاري ومسلم ، ففي هذا دليل على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث وأن النقصان عن الثلث جائز . غَيْرَ مُضَارٍّ أي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الإضرار كأن يقر

--> ( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه قبل صفحات . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 36 ، والوصايا باب 2 ، 3 ، ومناقب الأنصار باب 49 ، والنفقات باب 1 ، والمرضى باب 13 ، 16 ، والدعوات باب 43 ، والفرائض باب 6 ، ومسلم في الوصية حديث 5 ، 7 ، 8 ، 10 ، وأبو داود في الفرائض باب 3 ، والأيمان باب 23 ، والترمذي في الجنائز باب 6 ، والوصايا باب 1 ، والنسائي في الوصايا باب 3 ، وابن ماجة في الوصايا باب 5 ، ومالك في الوصية حديث 4 .